الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

449

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أما " الآيات النفسية " مثل خلق أجهزة جسم الإنسان ، والنظام المحير الذي يتحكم بالمخ وحركات القلب المنتظمة والشرايين والعظام والخلايا ، وانعقاد النطفة ونمو الجنين في ظلمات الرحم . ثم أسرار الروح العجيبة . إن كل ذلك هي كتاب مفتوح لمعرفة الإله الخالق العظيم . صحيح أن هذه الآيات قد طرقت سابقا بمقدار كاف من قبل الله تعالى ، إلا أن هذه العملية والإراءة مستمرة ، لأن ( سنريهم ) فعل مضارع يدل على الاستمرار ، وإذا عاش الإنسان مئات الآلاف من السنين ، فسوف تنكشف له في كل زمان علامات وآيات إلهية جديدة ، لأن أسرار العالم لا تنتهي . إن كافة كتب وبحوث العلوم الطبيعية وما يتصل بمعرفة الإنسان في أبعاده المختلفة ( التشريح ، فسلجة الأعضاء ، علم النفس ، والتحليل النفسي ) وكذلك العلوم التي تختص بمعرفة النباتات والحيوانات والهيئة والطبيعة وغير ذلك ، تعتبر في الواقع كتبا وبحوثا في التوحيد ومعرفة الخالق ( جل وعلا ) لأنها عادة ما ترفع الحجب عن الأسرار العجيبة لتبين قدرا من حكمة الخالق العظيم ، وقدرته الأزلية ، وعلمه الذي أحاط بكل شئ . أحيانا يستحوذ علم واحد من هذه العلوم ، بل فرع من فروعه المتعددة على اهتمام عالم من العلماء فيصرف عمره في سبيله ، وفي النهاية يقرر قائلا : مع الأسف لا زلت لا أعرف شيئا عن هذا الموضوع ، وما علمته لحد الآن تجعلني أغوص أكثر في أعماق جهلي ، نعود الآن إلى الآية التي تنتهي بجملة ذات مغزى حيث يقول تعالى : أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ( 1 ) . وهل هناك شهادة أفضل وأعظم من هذه التي كتبت بخط القدرة التكوينية

--> 1 - ذهب الكثير من المفسرين إلى أن " الباء " زائدة و " ربك " تقوم مقام الفاعل . وجملة " أنه على كل شئ شهيد " " بدل " ذلك ، والمعنى يكون هكذا : " أولم يكفهم أن ربك على كل شئ شهيد " .